السيد كمال الحيدري

225

أصول التفسير والتأويل

مثلنا لا يشعر إلّا بذلك ، وعند ذلك يعود النظام الحاكم في المصداق يحكم في المفهوم ، فربما خصّص به العام أو عمّم به الخاصّ أو تصرّف في المفهوم بأىّ تصرّف آخر ، وهو الذي نسمّيه بتصرّف القرائن العقلية غير اللفظية . مثال ذلك أنّا إذا سمعنا عزيزاً من أعزّتنا ذا سؤدد وثروة يقول : وإن من شئ إلّا عندنا خزائنه ، وتعقّلنا مفهوم الكلام ومعاني مفرداته حكمنا في مرحلة التطبيق على المصداق أنّ له أبنية محصورة حصينة تسع شيئاً كثيراً من المظروفات ، فإنّ الخزانة هكذا تتّخذ إذا اتّخذت ، وأنّ له فيها مقداراً وافراً من الذهب والفضّة والورق والأثاث والزينة والسلاح ، فإنّ هذه الأمور هي التي يمكن أن تخزن عندنا وتحفظ حفظاً . وأمّا الأرض والسماء والبرّ والبحر والكوكب والإنسان فهي وإن كانت أشياء لكنّها لا تخزن ولا تتراكم ، ولذلك نحكم بأنّ المراد من الشئ بعض من أفراده غير المحصورة ، وكذا من الخزائن قليل من كثير ، فقد عاد النظام الموجود في المصداق وهو أنّ كثيراً من الأشياء لا يخزن ، وأنّ ما يختزن منها إنّما يختزن في بناء حصين مأمون عن الغيلة والغارة ، أوجب تقييداً عجيباً في إطلاق مفهوم الشئ والخزائن . ثمّ إذا سمعنا الله تعالى يُنزل على رسوله قوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ ( الحجر : 21 ) فإن لم ترق أذهاننا عن مستواها الساذج الأوّلى فسّرنا كلامه بعين ما فسّرنا به كلام الواحد من الناس ، مع أنّه لا دليل لنا على ذلك البتّة فهو تفسير بما نراه من غير علم . وإن رقت أذهاننا عن ذلك قليلًا ، وأذعنّا بأنّه تعالى لا يخزن المال وخاصّة إذا سمعناه تعالى يقول في ذيل الآية : وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ